يشهد القرن الأفريقي تحوّلًا متسارعًا إلى ساحة رئيسية للتنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط، مع توسع نفوذ القوى الإقليمية على ضفتي البحر الأحمر عبر اتفاقيات دفاعية واستثمارات في الموانئ ومشروعات للطاقة وتحركات دبلوماسية متسارعة. وفي تحليل أعدته جيورجيا فالينتي ونشرته صحيفة جيروزاليم بوست، تتضح ملامح إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وسط تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وأوضح التقرير أن منطقة القرن الأفريقي أصبحت امتدادًا مباشرًا لحسابات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، إذ عززت مصر تعاونها البحري مع الصومال، بينما رسخت تركيا حضورها العسكري والاقتصادي في مقديشو مع احتفاظها بعلاقات قوية مع إثيوبيا، في الوقت الذي وسعت فيه السعودية والإمارات استثماراتهما وشراكاتهما في المنطقة، فيما أضاف اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بعدًا دبلوماسيًا وأمنيًا جديدًا.
البحر الأحمر يعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية
يرى التقرير أن مضيق باب المندب وقناة السويس أصبحا محورًا رئيسيًا لحسابات الأمن الإقليمي والتجارة العالمية، بعدما تصاعدت التهديدات المرتبطة بالحرب في اليمن وهجمات الحوثيين على الملاحة الدولية.
وأكد المحلل السياسي وخبير الأمن الإقليمي الدكتور علي طارق متولي أن تطورات القرن الأفريقي لم تعد منفصلة عن المشهد الاستراتيجي في البحر الأحمر والشرق الأوسط، بل أصبحت جزءًا من منظومة أمنية مترابطة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن التعاون بين دول المنطقة يمكن أن يتحول إلى إطار أمني جماعي يستند إلى القانون الدولي واحترام سيادة الدول، بدلًا من الاكتفاء بمنطق التنافس على النفوذ.
في المقابل، أوضحت شيري فاين جروسمان، الرئيسة التنفيذية لمعهد العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، أن المنطقة أصبحت نقطة التقاء للمصالح الإسرائيلية والتركية والمصرية والخليجية إلى جانب الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، مع تركيز الجميع على حماية طرق التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية.
الصومال وأرض الصومال في قلب المنافسة الإقليمية
سلط التقرير الضوء على اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر 2025 باعتباره تطورًا غيّر المشهد الدبلوماسي في القرن الأفريقي، إذ رفضت الحكومة الصومالية القرار وعدّته انتهاكًا لسيادتها، بينما أكدت مصر وتركيا والاتحاد الأفريقي تمسكها بوحدة الأراضي الصومالية.
وأوضح التقرير أن الموقع الجغرافي لأرض الصومال على خليج عدن، مقابل السواحل اليمنية وبالقرب من باب المندب، منحها أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لإسرائيل، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة التي تشكلها جماعة الحوثي على الملاحة في البحر الأحمر.
وأشار إلى أن ميناء بربرة أصبح عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، بعدما ضخت شركة "دي بي ورلد" الإماراتية استثمارات ضخمة لتطويره وتحويله إلى مركز لوجستي يخدم إثيوبيا ودول القرن الأفريقي، وهو ما عزز المكانة الاقتصادية للإقليم رغم محدودية الاعتراف الدولي به.
وفي السياق ذاته، وسعت القاهرة تعاونها مع مقديشو عبر مذكرة للتعاون البحري تشمل تطوير الموانئ والبنية التحتية البحرية، ضمن شراكة أوسع تضم التعاون الدفاعي ودعم مؤسسات الدولة الصومالية، بينما تؤكد مصر أن تحركاتها تنطلق من حماية أمن البحر الأحمر والحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية وتأمين الملاحة المرتبطة بقناة السويس.
تركيا والسعودية والإمارات تتنافس.. وأفريقيا تحافظ على استقلال قرارها
أكد التقرير أن تركيا نجحت في بناء أحد أكبر أوجه الحضور الخارجي في القرن الأفريقي عبر استثمارات واسعة في الدفاع والتعليم والصحة والطاقة والبنية التحتية، مع احتفاظها بعلاقات قوية مع كل من الصومال وإثيوبيا، وهو ما أتاح لها لعب دور الوسيط بين البلدين عقب الأزمة التي أثارتها مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال.
كما وسعت السعودية تعاونها العسكري والبحري مع الصومال خلال عام 2026، انطلاقًا من اهتمامها بحماية أمن البحر الأحمر واستقرار الضفة المقابلة لشبه الجزيرة العربية، بينما واصلت الإمارات تطوير شبكة موانئها واستثماراتها اللوجستية في بربرة وربطها بالأسواق الأفريقية.
ورأى التقرير أن الحرب السودانية تقدم نموذجًا واضحًا لمخاطر تداخل الصراعات الداخلية مع المنافسة الإقليمية، إذ يؤدي تضارب مصالح القوى الخارجية إلى تعقيد الأزمات وإطالة أمدها.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن دول القرن الأفريقي ليست مجرد ساحات للصراع بين القوى الإقليمية، بل تمتلك هامشًا متزايدًا لصياغة سياساتها واختيار شركائها بما يخدم مصالحها الوطنية، فيما سيحدد نجاحها في الحفاظ على سيادتها وقدرتها على إدارة هذه الشراكات مستقبل التوازنات الممتدة من قناة السويس والبحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهندي.
https://www.jpost.com/middle-east/article-902454

